بسم الله الرحمن الرّحيم
كلمة عميد كلية اللغات والآداب والفنون بالناظور
استند ابتداء هذه الكلية على القانون: 59.24 - الصّادر بتنفيذه الظّهير الشّريف: 1.26.04 ولا سيما المادة 52 منه، وتفعيلا لمقتضيات المرسوم: 2.25.561 المنشور بالجريدة الرّسمية: 7521 في 13 محرم 1448 – 29 يونيو 2026 - وبذلك يكون اختصاص حقول "اللغات والآداب والفنون" بكليةٍ مستقلةٍ، على ساحل البحر الأبيض المتوسّط، بإقليم النّاظور، والجماعات الترابية التي تأوي إليه عِلميا؛ من مقتضيات إعادة تنظيم المؤسسات الجامعية المغربية، وهذا يُوجِبُ أنْ يَنقلَنا إلى تَطورٍ أكاديمي مَشهودٍ: كَمِيّا ونوعِيا.
وبما أنّ الصّورةَ مُعلّقة بالمعنى وتابعةٌ له، ما ينبغي حَصْرُ هذا التّكوْثُر في الأشكال والأقسام؛ ذلكم بأنّ استقلال اللغات والآداب والفنون، بِمُؤَسسة جامعية، ظرفٌ سانحٌ لنقل العلوم اللغوية اللسانية، والأدبية والفنية، من أطوار الدّراسات الأفقية، إلى الدراسات العمودية، ومن شتات الدراسات الجزئية، إلى الدّراسات النّسقية والكلّية. دون أن يعني هذا الاختصاص، استغراقَ المجال المعرفي الواحد من تلك المجالات، لأن بين العلوم - على اختلافها - علاماتٍ تشير إلى بعضها البعض، وأنساقا عِلميةً وفنيةً وجماليةً، لا تُخطئها بَصيرةُ الباحث الحصيف.
وإذا كان الإقبال على اللغاتِ، والتّمكنُ منها، حاجةً إنسانيةً واجتماعيةً واقتصاديةً ... ملحةً، وضرورةً حضارية، فإنّ الحاجةَ العلميةَ إلى ذلك بالنّاظور، والجماعات الترابية التي تأوي إليه، أشدُّ وآكَدُ؛ آخذينَ بنظرِ التّقدير جُغْرافيا هذه الكلية وجَماعاتها، التي تقع بين حُدود اللغات الإفريقية جنوبا، وحُدود اللغات الأوربية شمالا، دون الغَفلة عن المجالات اللغوية المَحلية.
تتضمّن الكُلية - حاليا - خَمسَ لُغاتٍ، لكلِّ لغةٍ شُعبةٌ، وكُلُّ شُعبةٍ تَتضمّن مَسالكَ؛ وبعضُ المسالك تَتَفرّع إلى مَساقات، سَواءٌ في سلك الإجازة، أو في سلك الماستر؛ وتلك اللغاتُ هي: العربية، والأمازيغية، والإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية؛ ونأمل أن تَغتني ألسِنةُ طلبةِ هذه الكلية وأفئدتُهُم، بِلغاتٍ عالمية أخرى، خِدمةً للصّالِحِ الوطني العام، وَتَمْتينا لربط الكليةِ بالتكوين والبحث في الألسِنة العالمية؛ مع التّطلع إلى التّمكّن من فنون التّرجمة، والمقارنة بين اللغات، والآداب والفنون.
إنَّ للعَملِ على تخريج الطّلبة في تَخَصُّصاتِ اللغاتِ والآدابِ والفنونِ، في الإجازة والماستر والدكتوراه؛ صِلةً وثيقةً بوَضْعِ هذه الحُقولِ العِلمية والمَعرفية، مَوْضِعَ الزَّهْرة في الشّجَرة بالنِّسبَةِ إلى الثّمرة، في مِضمارِ مشاريع الرُّقي بالمجتمعات: إيمانيا، واجتماعيا، واقتصاديا، وحضاريا. فإذا كانت اللغاتُ ألسِنةَ الشّعوب، ومَرايا تفكيرها ... فإن الآداب لا تَنْفَصِل عن اللغاتِ، بل هي أَنَاِسيُّ عُيونِها، وصَدَفُ قِيَمِها، وألْوانُ فُنون إبداعاتها، سواءٌ أكان التَّعبير عن تلك الفنون بالآداب ذاتِها، كفنون الشعر، وفنون القول والخطاب، وفنون المسرح، وفنون السّرد. أو كان التعبير عن تلك الفنون متفرّعا عنها، متوسّلا بِسَبب من أسبابها، كالفنون البصرية، وفنون السّماع، وفنون الأداء، وفنون الهندسة المعمارية وجمالياتها.
إنّ عِمادَ قيام هذه الكلية وقُوّتَها - حاضرا ومستقبلا - هم طلبتُها، والأساتذةُ الباحثون بها، وأطُرُها الإداريةُ والتقنية، وأعْوانها، والشّركاء والمتعاونون. فنرجو للطَّلبة الواردين على التَّخَصص في حُقولها العلمية والمعرفية، وخِرّيجيها - من بعد ذلك - القوّةَ العلمية التي تُمكّنهم من الإسهام في الرُّقي بالأمة المغربية، وتَبَوُّئها المقامَ اللائق بها بين الأمم: لغاتٍ، وآدابا، وفنونا، وقيما. فقد عَهِدْنا فرقَ الكلية البيداغوجية، تسعى إلى تكوين الطّلبةِ بما يَلْزم مِنَ الجِدّية والهَدفية، واقتراح مسالك جديدة، تتناسب واختصاصات الكلية، مُستثمرين في ذلك طاقاتِهم واجتهاداتِهم، ومُختلِف ما أنتجه التَّطور البيداغوجي، من تِقانَةٍ رقميةٍ، أو وَسائِلَ أخرى ناجعة.
إنَّ شَهادة الكُلّيَة على تَخْريجِ طَبقاتٍ من المُتخصصين، في اللغات والآداب والفنون، على أهميتهِ، ليس غايةَ الغايات، إذْ بقدر حاجة المُجتمع المُتجددة، إلى أجيالٍ من المُتعلمين المتخصصين الأقوياء، في مختلف المَنَاحي التربوية، والاقتصادية، والإعلامية، والفنية، والصّناعية... هو كذلك بحاجة إلى تطوير العلم والمعرفة، والرّقي بهما، وتدبير الحياة وشؤونِها من خلالهما، وتلكَ من أهم وظائف البحث العلمي؛ لذلك نَأمل أَلّا تتوقف غايةُ عُمُدُ الكلية: طَلبةً وأساتذةً باحثين، عند تحصيل الشّهاداتِ، وأنْ يتّخذوا تكوينهم الجامعي الأكاديميَ، جَمَلا لتطوير البحث العلمي، بالسَّعْيٍ إلى طرح الأسئلةِ، والإشكالياتِ، والقضايا المعرفية والفكرية ... التي تتصل باختصاصاتهم، عبرَ جُسور الشّعب، والمختبرات، وفرقِ الباحثين؛ بالنّدوات، والمؤتمرات، والمجالس العلمية، والنوادي الثقافية، والأيام الدراسية والتكوينية، والإصدارات والمنشورات المتخصّصة، وسائر الأعمال الراسخة في المنهج العلمي.
وإنَّ كليةَ اللغاتِ والآداب والفنون بالناظور، لَتَسْعَدُ بالانفتاح على المُبادرات العلمية والمعرفية والفنية والإبداعية، من مختلف الجهات الاجتماعية المَسْؤولة، الرّاغبة في التَّعاون على إعداد المشاريع العلمية البحثية المشتركة وإنجازها، مُضِيا إلى النّظر القويم، والتّنوير العلمي والمعرفي العام.